<
محمد سعد عبد اللطیف

حقوق الإنسان من “نبع السلام”

أوتاوا - كندا بالعربي /

حقوق الإنسان من “نبع السلام
مقال بقلم – محمد سعد عبد اللطیف

لا تستقيم حقوق الإنسان دون احترام قيم الوحدة والتماثل، ولا يمكن أن تكون مفاهيم حقوق الإنسان قضايا انتقائية على الطريقة الأمريكية، لأن البشر مختلفون منذ الأزل وسوف يظلون كذلك، لكن تجمعهم الإنسانية، فمن يقول إن العرب مختلفين عن الأكراد على سبيل المثال، بل هم أنفسهم مختلفين كعرب فيما بينهم.. وكذلك حال المسيحي واليهودي والآشوري والتركماني والأرمني والشيعي والعلوي، جميعهم مختلفون عن الآخرين، لكنهم مختلفون فيما بينهم في نواحي عديدة.. وعندما يؤدى هذا الخلاف للتناحر والتقاتل بسبب تلك الاختلافات أو الخلافات وإهدار حقوق الإنسان عمدا فلابد من وقفة ليس على مستوى الشرق الأوسط فقط بل العالم كله.
ينظر إلى قضية الأقليات العرقية والدينية والمذهبية واللغوية بشكل عام بدرجة عالية من الحساسية، خاصة فی بلدان الشرق الأوسط، وبرغم أهميتها الخطيرة، فإن هذا الموضوع الشائك يحتاج الكثير من الدقة والرؤية والموضوعية والانضباط، في ظل المرحلة الحالية التي تشهدها سوريا وعملیة (نبع السلام) التى تجرى فی شمال سوریا من حرب یطلق علیها البعض (تطهیرا عرقيا)، وحالة من السجال والجدل حول ماهية عملیة (نبع السلام) الترکیة وحقوق الإنسان في الحياة وممارسة معتقداتهم في حرية بعيدا عن تصنيفه.
وفی ظل المتغیرات المتسارعة فی سوریا، وخروج القوات الأمریکیة من مناطق تمرکزها فی تل الأبیض وشرق الفرات، لا نعلم عن المکالمة الهاتفیة التی جرت مع ترامب وأردوغان شيئا وما تم الاتفاق عليه بين الطرفين، لكن الانسحاب المفاجئ للأمریکان وإعطاء الضوء الأخضر للقوات الترکیة أعطى بعض التفسيرات، بجانب التنسیق السابق مع روسیا وإيران وتفاهمات بینهم فی غیاب الدور السوري والعربي، وما هو التنسيق الذى تم بين قوات الجیش السوری الوطني، أو کما یطلق علیها (الجيش الحر)، تحت قیادة ترکیا، وأکراد تطلعوا إلی دور أکبر، لکن الحلیف تخلي عنهم وتركهم یواجهون مصیرهم المحتوم بین قوات بشار والقوات الترکیة.. وما هو مصیر (إدلب) بعد عملیة (نبع السلام).. كل هذه أسئلة وعلامات استفهام تطرح في ظل شرق أوسط يواجه صراعات شبيهة بنمو النزعة القومیة داخل أوروبا فی مطلع القرن العشرین وتطلع الأقلیات إلی الاستقلال والانفصال، لكنها أكثر اتساعا.
لا شك أن النزاعات الداخلية والدولية تقوى بعضها، والصراعات السياسية والطائفية والعشائرية والإقليمية والأيديولوجية والمصالح القومية تختلط، وتتفاقم مسألة الأقليات في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، لكن في السنوات الأخيرة شهدت تزايدا ملحوظا في أعمال العنف السياسي وعدم الاستقرار في هذه المجتمعات، خروجا عن تلك المسببات المذكورة، وربما ترجع أسباب تفجر العنف إلى فشل الأنظمة السياسية في المنطقة في إجراء مقاربات موضوعية وديمقراطية لهذه الإشكالية التاريخية، وبالتالي عجزت هذه الحكومات عن تقديم حلول جذرية لهذه القضية بدلاً من المحاولات المستمرة لاحتوائها وتجاهل الأسباب الموضوعية الكامنة وراء تصاعد العنف.
ويزيد المشهد تعقيدا بوجود أسباب أخرى متعلقة بظهور خطاب قومي متطرف ومتشدد لدى بعض قادة الأقليات يدعو إلى الانفصال عن الدولة الأم، ويتبنى العنف في مواجهة الدولة، ويحرض على عدم الاستقرار السياسي، الأمر الذي يولد خطابات متطرفة من الجانب الآخر، وهو ما يدخل هذه المجتمعات في دائرة الفوضى والفشل.
ظهرت الأقلیات قدیما مع قيام دولة الخلافة العثمانية، وظهرت الدولة المركزية العسكرية، وبدأت قضية الأقليات في الظهور، وأخذ بعض أركان دولة الخلافة في تسييس هذا الموضوع الذي تعمق أكثر مع انهيار الخلافة العثمانية وظهور النظام الرأسمالي الذي ابتدع نظام حماية الأقليات، وجاء الاستعمار الأوروبي لتنتشر سياسة فرق تسد.. وزرع الخلافات بين الأشقاء في الدين واللغة والوطن، ومساندة هذا للتربص بالآخر وظهور احتراب من نوع آخر المستفيد الوحيد منه هو قوى الاستعمار.
إن مرحلة الاستعمار في العالم العربي شهدت تأثر المنطقة ببعض إنجازات الثورات الأوروبية، منها قضايا حقوق الإنسان التي تم سنها في الدساتير الأوروبية، وتعامل الاستعمار مع الأقليات بصورة تظهره على أنه حامي مصالحهم ووجودهم، کما حدث فی شمال سوریا من الوجود الأمریکي، وفي بعض الدول حاول المستعمر دمجهم قوميا عبر تشريعات، لكن الأكثرية الإسلامية رفضت وتصدت لهذه المحاولات بسبب رفضها أساساً الاستعمار على أراضيها، وبالتالي رفضها لأي سياسات يحاول فرضها عليهم، ثم إن الأكثرية المسلمة رفضت أيضاً محاولات الاستعمار في تغريب المسيحيين الشرقيين، هذا الأمر خلق نوعاً من التصادم بين المجتمعات العربية المسلمة التقليدية، وبين الأفكار الغربية الديمقراطية، وهو ما أدى إلى تعقيد مسألة القوميات، ووضع العراقيل أمام الحلول الديمقراطية لاندماج هذه الأقليات بمجتمعاتها.
وهكذا ظلت الدول العربية بعد حصولها على الاستقلال السياسي دولاً تضم مجتمعات تعاني أزمات معلقة مربكة، وملفات مفتوحة لا تتوافر ظروف معالجتها وإغلاقها، وأهمها قضية الأقليات، ووجدت هذه المجتمعات أنها غير قادرة على القيام بثورة ديمقراطية تؤسس لمعالجة جذرية سلمية وعصرية وديمقراطية لقضية الأقليات، وهذا واحد من أهم الأسباب التي جعلت من هذه الإشكالية في العالم العربي أزمة طائفية طاحنة تلخص أزمة الأمة، وتحتوي فتيلاً اشتعل في لحظة سيحرق اليابس والأخضر، وما بقي من الأخضر في عموم المنطقة سوف یشتعل فی أي لحظة فی منطقة آخری.
لقد طرح ملف الأسری من بقایا الدولة الإسلامية (داعش) تحت سیطرة أکراد سوریا من الجانبین الأمریکی والترکی، ومصیرهم فی حالة سقوط الأکراد تحت سیطرة الأتراك، رغم أن الغالبیة فی منطقة شرق الفرات من أهل السنة أکراد أو عرب؛ لیحمل الدین السلاح فی خدمة الأهداف السیاسیة، وحالیا العملیات التی تجری شرق الفرات تستهدف المدنیین والقضاء علیهم بسبب انتماٸهم العرقی والطاٸفي، بعیدا عن الحقوق أو الالتزامات الدولیة مبررة بذلك الأمن القومي ومتطلبات البقاء.
ففی الحالة السوریة التی تفککت فیها الدولة وأصبحت ساحة للتنافس بین القوى المحیطة، والتی عادة ما تحافظ علی قوتها وسطوتها دون مراعاة لحقوق وکرامة الإنسان، لقد أصبح صراعا قوميا عرقیا دینیا طاٸفیا وجغرافیا فی الشرق الأوسط، وقد ظهرت کتل مکونة من نظام مذهبي تطلق علیها الکتلة السنیة، وکتلة تقودها إیران فی الحرب الداٸرة فی سوریا من فصاٸل شیعیة وحزب الله وحماس، ومع ظهور النعرات الانفصالیة والقومیة وظهور عصر الإرهاب الانتحاری والقتل علی الهویة، وانتشار الفوضى فی مناطق متفرقة فی بلاد العرب والصراع الإقلیمی یهدد مناطق شاسعة فی العالم کما هدد بها طیب أردوغان الاتحاد الأوروبی بفتح الحدود أمام المهاجرین.
إن العناصر المتشابكة والتعقيدات التاريخية في مسألة الأقليات تشكل واحدة من أهم الصعوبات أمام أي باحث يتناول هذا الموضوع بالدراسة والتحليل، ويضعه أمام تحديات وخيارات دقيقة، فإما أن تكون مع الليبرالية الجديدة في الدفاع عن حقوق الإنسان بشكل عام، وحقوق الأقليات بشكل خاص، من خلال تبني (براجماتية) منفعية مقترنة مع (دوجمائية) لا تريد أن ترى إلا جانبا واحدا من الموضوع، وإما أن تکون فی مواجهة التحدیات، وصراعات ترتیب المجتمعات البشریة، بما یتوافق مع المفاهیم الجدیدة لشرق أوسط جدید.. وبذلك تجد نفسك متهما بتجاهل حقوق الأقلیات.
كل هذه الاختلافات بين ما يسمى الأكثرية والأقلية، وبين مكوناتهما هو اختلاف طبيعي وموضوعي وإنساني، لكنه يفترض المساواة أخلاقيا وقانونيا، فلولا هذه الاختلافات لما كانت هناك حاجة إلى المساواة، فالاختلاف يستدعي ويتطلب مساواة سياسية واجتماعية وحقوقية أمام سلطة القانون في دولة مدنية حديثة، دولة المواطنة التي ترعى جميع مكوناتها دون تمييز.
محمد سعد عبد اللطیف
کاتب وباحث فی الجغرافیا السیاسیة

هل تستعد لرحلة أو سوف تسافر لأي مكان بالعالم .. سجل هنا لتحصل على تخفيضات بالفنادق تصل ل90 % اضغط هنا
.....المزيد هذه الأخبار وعشرات الأخبار الأخري تجدونها على موقع كندا بالعربي من أوتاوا لمن يريد استشارة عاجلة او التواصل مع محامين ومستشارين يمكن التواصل مع خدمة المستشار القانوني من هنا

ضع ايميلك هنا :

Delivered by FeedBurner

هل لديك عقار أو شقة أو فيلا خالية في أي مكان بالعالم .. سجل من هنا لتعرضه لحجوزات المسافرين باليوم او الاسبوع او الشهر وأحصل على أكبر مقابل مالي .. سجل عقارك هنا .

اضغط هنا للعودة للصفحة الرئيسية

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: